الجمعة، 23 ديسمبر 2022

الرد على مقال "اختراع الشذوذ الجنسي"

 كتب قبل فترة الأستاذ سلطان العامر سلسلة تغريدات أثارت ضجة واسعة، وأيضا انتشارا واسعا ( حصلت التغريدة على ما يقارب 4700 إعجاب، و 2200 بين إعادة تغريدة واقتباس، و 2800 رد )

وكان العامر قبلها كتب مقالا في موضوع مماثل عنوانه “اختراع الشذوذ الجنسي وتحولاته “

والفكرة في سلسلة التغريدات وبين المقال متشابهة كما سأوضح في هذا المقال.

كان نص التغريدة الأولى من سلسلة تغريدات العامر تقول:

“لاحظت عند الحديث عن المثلية تصويرها بأنها ظاهرة غريبة ودخيلة على المجتمع السعودي. تستطيع تعادي المثلية زي ما تحب، لكن لا تستطيع إنكار أنهم فئة من المجتمع وجزء من الثقافة واللغة اليومية وجزء من الأدب والأغاني والشعر السعودي.”

ثم سرد عدة استشهادات تدعم فكرته..

أكثر ما أثار الجدل بين المغردين هو قول العامر “أن المثلية جزء من الثقافة”، والحقيقة أن النقاش في مسألة هل الشذوذ جزء من الثقافة أو لا، نقاش غير مجد وليس له نهاية، لأنه يعتمد على مفهوم المناقِش لمصطلح الثقافة، ومن المعلوم أن مصطلح الثقافة فضفاض وواسع، حتى أن بعض الباحثين أوصل عدد تعريفات كلمة الثقافة إلى أكثر من مئة تعريف.. لذلك سنترك هذه الجزئية ونناقش بعض المسائل الأخرى.

فمثلا أول مغالطة تواجهنا في سلسلة تغريدات العامر، استخدامه لمصطلح “المثلية” وقوله أنهم “فئة من المجتمع”.. وهذه محاولة منه لإسقاط مفاهيم غربية حديثة في سياق مختلف، وتكمن الإشكالية هنا في خلق “هوية مثلية” للأشخاص الذين صدر منهم بعض الممارسات والميول الشاذة، فقول العامر أنهم “فئة” يعني حشرهم ضمن ذات مثلية هي أصلا مخترعة حديثا.. ورفضُنا هذه الصبغة الهوياتية نابع من الفرق الشاسع بين الممارسة والهوية، الممارسة الشاذة أو الميول الشاذ هما مجرد سلوك منحرف، قد يكون مؤقتا فيقترفه الشخص سواء عن قناعة أو لا، ولكن ثمة احتمال وارد أن يتغير هذا السلوك ويتبدل، أما تحويل هذه الممارسات إلى هوية فهي محاولة لتثبيت هذا السلوك وإصباغ صفة الجوهرانية والديمومة عليه، فقول العامر أنهم “فئة” (وفي تغريدة لاحقة من السلسلة يشير إلى “مجتمع المثليين” ) هي نظرة متأثرة بالسياق الغربي الحديث الذي أعطى الشواذ صفة الجماعة والأمة والمجتمع “community” . لملاحظة هذه المغالطة تخيل مثلا ردة فعل من أطلق عليهم العامر فئة أو مجتمع المثليين، قطعا سيتنكر هؤلاء لهذا المصطلح ويستغربونه، ليس فقط لأنهم يتبرأون من هذا المصطلح أو أن لديهم كراهية للذات، بل لأنهم لم يروا أنفسهم يوما بأنهم “فئة مثلية” متميزة لها سمات ثابتة، بل مجرد أشخاص كان لديهم هذا الميول وهذه الممارسات، وقد يختفي هذا الميول بشكل طبيعي ويتخلون عن هذه الممارسات برغبة منهم، وهذا ما يحصل فعلا في حالات كثيرة إذ لا تلبث هذه الممارسات أن تكون مجرد مراهقة وفترة انحراف ( بالمناسبة أحد الأمثلة التي ذكرها العامر، مغني كسرات اشتهر أمر توبته ).

هذه نقطة، وإذا نظرنا إلى باقي السلسلة نجد أن نوعية الاستشهادات التي غذى بها العامر فكرته يطالها شيء من الخلل، عوضا عن أنها تريد إثبات شيء غير منفي من الأساس، ففيما أعلم لا أعرف أحدا ينكر وجود هذه الميول والممارسات الشاذة سواء في مجتمعنا أو في باقي المجتمعات، لكن ما يُنكر حقيقة هو الحديث عن “هوية مثلية”.. لذلك لن أتوقف طويلا عند هذه الاستشهادات.

أول استشهاد قدمه العامر هو وثيقة لسفير أمريكي يتحدث فيها عن كلام للمفتي محمد بن ابراهيم رحمه الله يهون فيها من ممارسة اللواط بالمقارنة مع التدخين.. وهذا استشهاد غير موثوق ومطعون في صحته خصوصا وفتاوى الشيخ محمد بن ابراهيم معروفة في اللواط وفي التدخين فهو يرى اللواط كبيرة حدها القتل، بينما التدخين من الصغائر. (1)

ولا يستبعد أن السفير الأمريكي اخترع هذه القصة تحت تأثير الصورة المتخيلة التي صنعها المستشرقون التقليديون عن العرب والمسلمين على اعتبارهم يتسامحون مع الممارسات المنحرفة والإباحية كما تكلم عن هذا غير واحد من الباحثين.. ومن غريب الاستشهادات أيضا أن يقدم سلطان اغنية كسرات -هي هجائية في الأساس- في سبيل تدعيم فكرة وجود الشذوذ.. لا يُفهم من كلامي أني أنفي وجود هذه الممارسات الشاذة ولكن المقصد تبيان بعض الخلل الذي وقع به العامر في هذه الاستشهادات..

سأكتفي بهذا القدر وأتكلم بتفصيل عن مقال سابق للأستاذ سلطان العامر عنوانه ” اختراع الشذوذ الجنسي وتحولاته”. والتركيز على هذا المقال مهم لأنه يوضح لنا المنطلقات التي ينطلق منها العامر.

يتلخص المقال بالأفكار التالية : أن الشذوذ الجنسي مصطلح حديث لم يكن متداولا في التراث العربي والإسلامي، إنما وفد إلينا من خلال الترجمة، ولم يكن في البداية ترجمة لكلمة (Homosexuality) إنما (Abnormality ) الذي يعني طيفا من الممارسات التي اعتبرت شاذة، ولكنه لاحقا مع التداول صار الشذوذ الجنسي يطلق حصرا على homosexuality..

ثم يمضي العامر بسردٍ تاريخي لمصطلح الشذوذ وبالمراحل التي مر بها في سياقه الغربي والعربي.. ولا يهمنا هذا السرد التاريخي بقدر ما يهمنا ما يكمن وراءه، أي ما الذي يريده العامر من وراء القول أن الشذوذ مصطلح لم يرد في تراثنا العربي والإسلامي إنما جاءنا من الغرب الحديث..

قبل أن نعرف هذا لابد أن نمر على بعض التغريدات الأخرى للأستاذ سلطان التي أتت على خلفية النقاش الذي دار حول هذا المقال حتى تتضح الصورة أكثر، أحد من ردوا على سلطان العامر بخصوص هذا المقال قال فيما معناه أن استخدام مصطلح الشذوذ صحيح من حيث المعنى كونه يصف ممارسة خارجة عن الفطرة والأصل.. رد عليه سلطان العامر يقول : “كلامك هذا متأثر بالمدارس النفسية الأوروبية التي أكل عليها الدهر وشرب. ما هو هذا “الأصل”؟ وماهي الممارسة الجنسية المتوافقة مع الفطرة؟ وكيف عرفتها؟”

وفي تغريدات أخرى يناقش فيها إحدى المغردات يقول: “أغلب الخطاب المناهض للمثلية سارق مصطلحاته ولغته وخطابه ومنطقه من الرجل الأبيض، والمقالة أعلاه تبين ذلك.” ويستطرد في نفس النقاش فيقول: “إذن المسألة ( يقصد مناهضة المثلية) ليست مرتبطة بالشريعة بل مرتبط بنوع من الحساسيات والمشاعر تطور في العهد الفكتوري في أوروبا وانتقل الينا وهو الذي تستخدمينه أساسا وليس الشرع. ويقول: “وأما قصة مخالفة الفطرة فهذا أيضا من التأثر بالرجل الأبيض، لأن الفطرة هنا تأخذ معنى الغريزة الحديث ولا شأن لها بمفهوم الفطرة الإسلامي. والغريزة وكافة الافتراضات الملصقة بها تشكل وتطور في منتصف القرن التاسع عشر.”

ما أريد أن أفعله أولا سأتتبع جذور هذه الأفكار التي ينطلق منها العامر سواء في المقال أو التغريدات الأخرى، ومن ثم سأرد عليها، وفي النهاية سأثبت أن المتأثر بمنطق الرجل الأبيض ومصطلحاته هو سلطان العامر نفسه وليس من يتهمهم هو بهذا.

في إحدى فقرات المقال يستشهد العامر بكتاب خالد الرويهب “ما قبل المثلية الجنسية في العالم العربي والاسلامي ( 1500 – 1800 ) ” وهذا الاستشهاد يدل على أن العامر اطلع على هذا الكتاب، وبالتالي هو لم يكتف باقتباس أفكار كثيرة من الكتاب، بل إن فكرة المقال الأساسية موجودة نصا في كتاب خالد الرويهب.. في تصدير المقالة في تويتر كتب سلطان العامر مشيرا إلى مقالته في صفحة أعواد القش فيقول: “عند تناول المثلية الجنسية، كثيرا ما نسمع خصومها يشددون على التمسك باستخدام مصطلح (الشذوذ) وأن استخدام غيره فيه تنازل أخلاقي وقيمي. في هذي المقالة أوضح أن هذا كلام فاضي، وأثبت أن مصطلح الشذوذ لا أصل له في التراث الإسلامي، وأنه غربي، وأتتبع تحولاته في القرن العشرين. قراءة ممتعة.”

أما خالد الرويهب الذي اطلع العامر على كتابه فيقول في كتابه المذكور آنفا: “شهدت الحقبة في منتصف القرن التاسع عشر حتى العقود الأولى من القرن العشرين ( يعني في العالم العربي) تطورا أنذر بنهاية مرحلة التسامح والتعايش مع التغزل بالصبيان وعشقهم التي كانت شائعة. ويُعتقد في أن السبب في ذلك يعود في جزء منه على الأقل إلى نزوع أفراد من النخبة الجديدة المتغربة التي تلقت تعليما حديثا نحو تبني المواقف الفكتورية الأوروبية”. ويقول الرويهب في نص آخر أكثر وضوحا: “ويغلب على الظن أن مصطلح الشذوذ الجنسي قد دخل حيز التداول في أربعينيات القرن العشرين وخمسينياته”(2). ويضيف: ” وعلى الرغم من ذلك يظهر جليا أنه لم يكن متداولا في مطلع ثلاثينيات القرن العشرين” وكذلك أشار خالد الرويهب أن “الشذوذ الجنسي” بدأ عربيا كترجمة لمصطلح آخر لا يخص الـ “homosexuality” ربما يكون “sexual perversion”. (3)

ليس المقصد من عرض التشابه هو مجرد بيان استفادة الأستاذ سلطان العامر من أفكار خالد الرويهب، ولكن أيضا لفهم السياق الذي ينطلق من خلاله العامر.. ولأشرح هذا السياق أكثر أقول : ينطلق الدكتور خالد الرويهب وبالتالي سلطان العامر، من فكرة تبدو متداولة عند أكثر من باحث، وهي أن الشذوذ الجنسي في تاريخنا الإسلامي ما قبل الحديث كان يُتسامح معه نسبيا، فثمة شيوع لظاهرة حب الغلمان والتغزل بالمردان، وأيضا لم يُنظر للواط كظاهرة شاذة وغير سوية، بل هو معصية مثله مثل الزنا والسرقة وشرب الخمر وغيره من المعاصي، لذلك لم يوجد في التراث الإسلامي مصطلح الشذوذ.. ثم يبنون على هذا -أحيانا بصراحة وأحيانا بتحفظ- أن التشدد في رفض الشذوذ مسألة دخيلة على الثقافة العربية والإسلامية وهي آتية من ثقافة الغرب الحديث.

وهم غالبا يحددون العصر الفيكتوري في الغرب بناء على تحليلات ميشيل فوكو في كتابه تاريخ الجنسانية.. وبالمناسبة لا يمكن أن تخطئ عينٌ فاحصة الحضور المركزي لميشيل فوكو عند كل باحث عربي يتطرق للمسائل الجنسانية ويحمل نَفَسا متسامحا مع الشذوذ الجنسي.. فالاعتماد على فوكو يتضح بجلاء عند خالد الرويهب ( على سبيل المثال يرد ذكر فوكو أكثر من مرة في كتابه السابق مثلا في صفحات 46 – 141- 144 ) وثمة باحث آخر هو جوزيف مسعد يتبنى ذات السردية التي ذكرناها سابقا، أي تسامح الثقافة العربية قديما مع الشذوذ في مقابل التشدد العربي الحديث المتأثر بالغرب، تناول هذا جزئيا في كتابه اشتهاء العرب ( يرد ذكر فوكو عند جوزيف مسعد في سياقات متنوعة انظر مثلا صفحات 26 -65 -268- 269 -358 من اشتهاء العرب الترجمة العربية).

من الطريف وفي سياق آخر، أذكر وأنا أقرأ كتاب “كل رجال الباشا” للمؤرخ المصري خالد فهمي لاحظت الحضور الطاغي لميشيل فوكو في ثنايا الكتاب، وكتابه هذا قيم ومهم لا شك، والاستفادة المنهجية من فوكو أو غيره من المفكرين ليست مشكلة بحد ذاتها، لكن ثمة استظهار مبالغ فيه للمصطلحات الفوكوية في اثناء سرد المؤلف، فبين صفحة وأخرى تصادفك كلمات محشورة قسرا في السياق مثل : “الجسد، التحكم بالجسد، جسد الجندي، آليات السلطة، الضبط .. إلخ”. المقصد أني لم أُفاجأ حين صادفني مقال منشور للدكتور فهمي يطبّع مع ذات السردية السابقة ولكن في السياق المصري، فيسرد الدكتور مجموعة قضايا ثم ينتهي المقال بقوله :”كما أن نظرة لتاريخنا الحديث توضح أن الممارسات المثلية كانت مقبولة اجتماعيا وإن على مضض وباستهجان، وأن إقصاءها وتطبيبها وتجريمها تم تدريجيا وعلى مدار قرن ونصف ليس باسم الدين أو دفاعا عن قيمنا وثوابتنا الثقافية بل على أيدي حفنة من الأطباء الفرنسيين في القرن التاسع عشر، ومريديهم وأتباعهم المصريين في القرن الحادي والعشرين”.(4) أيضا لا يغيب ذكر ميشيل فوكو عن سلطان العامر نفسه الذي يستشهد به في مقاله هذا حين حلل سياق ظهور مصطلح الشذوذ..

يبدو أن عمل فوكو الشهير تاريخ الجنسانية ألهم كثير من الباحثين ( وأيضا ثمة تأثير لفوكو من وجهٍ آخر يرتبط بتفكيكه لمفهوم السلطة وبالتالي فتح المجال أمام ما أسميه ظاهرة: الاستعراض الاصطفافي مع حق المهمشين والمسحوقين والأقليات! ) إن تسليط الضوء على بعض النقاط التي تطرق لها فوكو في كتابه تاريخ الجنسانية يفيدنا في معرفة التناص الفكري، إن صح التعبير، بين فوكو ومن استفادوا منه في هذا الشأن.. 

يذهب فوكو بكثير من التحذلق والتعقيد واللعب بالمصطلحات إلى أن الجنس في أوروبا الحديثة وبالتحديد مع صعود الرأسمالية والأيدلوجيا البرجوازية مر بمنعطف جديد وغير مسبوق، حيث لم يعد مجرد فعل حيوي طبيعي، بل صار محاطا بكثير التوجس والحذر ونشأ حوله علم وقواعد وأخلاقيات وصار مراقبا من جهات ومؤسسات طبية وتربوية وعائلية تفرض عليه شكلا واحدا وتقمع ما يخالف هذا الشكل ويتمرد عليه، أما في العصور الأورربية القديمة فثمة تسامح نسبي أو على الأقل عدم تشدد مع مختلف الممارسات الجنسية بما فيها ممارسة اللواط والحب المثلي، يقول فوكو في الجزء الثاني من تاريخ الجنسانية: “إن ميدان علاقات الحب الذكوري كان حرا في العصر اليوناني القديم أكثر بكثير مما كان عليه في المجتمعات الأوروبية الحديثة”(5). بحسب فوكو لم يكن في العصور اليونانية والرومانية القديمة صرامة وقمع حول السلوك الجنسي وكان ثمة شيء من التغاضي مع الأشكال المختلفة من الجنس، على عكس العصور الحديثة حيث نصبت العلاقة الزوجية بين الذكر والأنثى البالغيْن على أنها المثال الوحيد للسلوك الجنسي السوي، وبالتالي هي النموذج المعياري لِما يُعتبر علاقة طبيعية وصحية، لقد أُقصيت بحسب فوكو تلك الممارسات التي لا تؤدي إلى الخصوبة والتكاثر وصارت تعرف بأنها شذوذ ومرض(6). حصل هذا بحسب تحليل فوكو بالتزامن مع نمو الرأسمالية التي يهمها أن تبقى العلاقات الجنسية محدودة فيما يخدم سوق العمل من توفير الطاقة الجنسية ودعم الانتاج بالتناسل(7). من هنا أُقصيت باقي العلاقات الجنسية من الميدان المسموح به وصارت مثالا على العلاقات المنحرفة والشاذة والمحرمة، فعوملت العلاقة اللوطية مثلا على أنها علاقة غير طبيعية وأن أصحابها أناس مرضى ويجب أن يعالجوا.. ويشير فوكو أنه كثيرا ما حصل الخلط في السياق الغربي بين ماهو قانوني وماهو طبيعي، فيصبح غير القانوني غير طبيعي، وبما أن العلاقات اللوطية كانت غير قانونية فبالتالي صُنفت على أنها شيء شاذ ومخالف للطبيعة(8) . في هذا السياق نشأت بحسب فوكو النظرة الحديثة للممارسة اللوطية.

لا يمكن الحديث عن فوكو دون المرور على شيء من حياته الشخصية، فتنظيراته ليست منفصلة كليا عن حياته، بل الاطلاع على سيرته يساعدنا أحيانا في استيعاب كثير من أفكاره.. فميشيل فوكو الفيلسوف الفرنسي هو ناشط لوطي، وشارك في ثورة للشواذ.. يطرح فوكو في كتبه المتأخرة مفهوم : “تقنيات الذات” “وفن الوجود”، والحياة كعمل فني”، فالفرد بحسبه لا ينبغي أن تُمارس عليه السلطة من الخارج، بل أن يقود ذاته بذاته، يشيد فوكو بالجزء الثاني من تاريخ الجنسانية بحياة اليونانيين القدمان، فاليونانيون يجيدون فن استعمال المتع، وليس هناك مؤسسات سلطوية تفرض عليهم شكل وجودهم، فوكو نفسه انتقل في آخر حياته إلى عاصمة الشواذ سان فرانسيسكو ليمارس هذا التنظير عمليا، فعاش أواخر حياته بين ناكح ومنكوح إلى أن التقط عدوى الأيدز وكانت سبب وفاته.. وقبل عام انتشرت فضيحة مدوية لميشيل فوكو حيث قال غاي سورمان وهو كاتب فرنسي زار ميشيل فوكو حين كان يدرّس في كلية الآداب في تونس أنه اكتشف أن فوكو كان يعتدي على أطفال بعمر السابعة والثامنة ويمارس معهم الجنس في مقبرة سيدي بوسعيد.. فوكو في كتابه تاريخ الجنسانية تطرق في أكثر من مرة إلى جنسانية الأطفال حيث يعتبرها ضمن المحضورات الغربية التي لا أساس لها..

ليس المقصد من هذا السرد أن نشنع على كل من أخذ عن هذا الفيلسوف أو نلومه على هذه الممارسات المنحرفة فليست هذه طريقة منصفة، المقصد أن فوكو شخصية مركزية الحضور عند تيارات ومثقفين كثر سواء عالميا أو عربيا، وفهم أفكاره ودوافعه لا يكون دون النظر إلى حياته الشخصيه.

بعد هذا المرور السريع على أفكار الفيلسوف الفرنسي يتضح لنا الآن الأثر الفوكوي على كثير من الباحثين والمثقين الذين تناولوا المسائل الجنسانية في الثقافة العربية، حيث رُحلت تنظيرات فوكو وأُسقطت على السياق العربي والإسلامي، فظهرت نبرة جديدة تدعي أن تاريخنا لم يعرف التشدد في العلاقات اللوطية ولم ينظر لها أنها علاقة شاذة، وأنه كان يُتسامح معها نسبيا، حيث شاعت ظاهرة حب الغلمان والتغزل بهم، وقيل أن التشدد في رفض هذه الممارسة، ومعاداة أصحابها، وتسميتها بالشذوذ الجنسي، هو من تأثير الغرب الحداثي علينا.. عند هذه النقطة نفهم التشابه الذي ذكرناه في البداية بين مقال العامر وسلسلة تغريداته، فعندما يسرد العامر أغاني كسرات وقصص ووثائق يأتي فيها ذكر العلاقة الشاذة، هو لا يفعل هذا ليقول لنا فقط أنها موجودة، فليس ثمة أحد ينكر وجودها من الأساس، ولكنه يفعل هذا ليوضح لنا أنها ظاهرة مقبولة نوعا ما، وأنها بحسب تعبير العامر: “جزء من الثقافة واللغة اليومية وجزء من الأدب والأغاني والشعر السعودي”. وقد يُتساهل معها إلى حد أن المفتي ابن ابراهيم يهوّن من شأنها ويعتبرها أخف جرما من التدخين..

نعم لا يظهر هذا المعنى صراحةً في تغريدات سلطان العامر ولكنه بالنظر إلى القناعات التي ينطلق منها كما بيناها في مقالته، وأيضا من خلال تغريداته الأخرى، نعرف أن سرد الأمثلة من أغاني الكسرات وفتوى ابن ابراهيم وباقي شواهد السلسلة لا تبدو بهذه البراءة..

الآن سأنظر هل فعلا عوملت العلاقات الشاذة في تراثنا العربي والإسلامي بقبول نسبي وعدم تشدد، وهل صحيح أن تسميتها علاقة شاذة أو شذوذ جنسي غير موجود في التراث..

أولا لا ننكر شيوع هذه الظاهرة الشاذة في مراحل معينة من تاريخنا، كما أنها كانت منحسرة في مراحل أخرى.. فمثلا من المعلوم أن العلاقة اللوطية ليس لها وجود واضح في الجاهلية، فقد ثبت أنه لم تصلنا أي قصيدة من القصائد الكثيرة التي وصلتنا من تلك الحقبة فيها تغزل بالمذكر أو فيها ذكر لأمر هذه العلاقة الشاذة، كذلك يرصد المؤرخون أشكالا متنوعة للأنكحة في الجاهلية بعضها لا يطرأ حتى على البال، ويذكرون انتشار البغاء، لكنهم لم يتكلموا قط عن ظاهرة الشذوذ الجنسي، وليس في الجاهلية حتى تسمية لهذه العلاقة، إنما تسمية اللواط جاءت من الإسلام وكذلك لفظة السحاق من الألفاظ المولدة.. والقول بأن هذه العلاقة لا تعرفها العرب ليس قولا جديدا كما يدعي هذا جوزيف مسعد في كتابه اشتهاء العرب الذي يتهم المثقفين العرب بأنهم يمارسون تطهيرا للتراث، بل هو قول قديم صرح به الجاحظ وغيره.

وأمر هذه العلاقة قريب من هذا في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام وصدر الإسلام، إنما شاعت هذه العلاقة المنحرفة في العصر العباسي لأسباب كثيرة ليس هذا مجال ذكرها.. واللافت أن المتتبع لتاريخ هذه الممارسة الشاذة في التاريخ الإنساني عموما يجدها بين انحسار وانتشار، وهذا مما يثبت شذوذها على عكس العلاقة الزوجية بين الذكر والأنثى، الثابتة عند كل الأمم وطوال التاريخ، إنما تشيع هذه الممارسة الشاذة إذا وُجدت عوامل الفساد التي تحفزها.. 

المقصد أننا لسنا في معرض إنكار لوجود هذه الظاهرة في بعض المراحل من تاريخنا، لكن هل يدل هذا على قبولها أو التغاضي عنها وهل فعلا لم يُنظر لها على أنها علاقة منحرفة وشاذة؟

من المعلوم أن المرجعية التشريعية الأولى عند المسلمين كافة علمائهم وعامتهم هو القرآن، ولا تخفى الآيات المتعددة القاطعة التي تحرم هذه الممارسة وتصفها بأشنع الألفاظ، ويذكّر القرآن الكريم في أكثر من آية بعذاب قوم لوط الذين استحلوا هذه الممارسة. وكذلك في السنة على ما رواه الترمذي وغيره أن النبي ﷺ قال: “من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به”.. وأقوال العلماء في التحذير منها مستفيضة، يقول ابن حجر: ” لا خلاف بين الأمة أن اللواط أعظم إثما من الزنا”.. بينما في المقابل من يطلع مثلا على كتاب الرويهب “ماقبل المثلية الجنسية في العالم العربي والإسلامي” يجد انتقائية واضحة في استخدام المصادر، ذلك ليعطي القارئ انطباعا عن التسامح النسبي المدعى، وكذلك يقول العامر في جملة من مقاله: “والقصائد التي كتبت في حب الغلمان شائعة ومنتشرة في المدونة التراثية شارك في كتابتها كثير من العلماء الدينيين”. هكذا “كثير من العلماء” دون تحديد، بينما المطلع على هذه القصائد من “العلماء الدينيين” يجدها في الغالب مكتوبة من منحرفي الصوفية الذين حذر العلماء منهم ومن مذاهبهم ومن فكرتهم في “تجليات الله” التي يتذرعون بها لمشروعية النظر إلى الغلمان الحسان والتغزل بهم.. وكذلك يذكر الرويهب بنفسه أن غالب كتاّب السير حين يأتون في سيرة عالِم من العلماء كتب شيئا من قصائد الغزل في الغلمان كانوا يوردون هذا في سبيل النقد.. وكذلك يُروى عن الفقيه والأديب الشافعي ابن الوردي الذي كتب مثل هذه القصائد في ديوانه أنه اعتذر لاحقا وتبرأ منها، مما يعني أن هذا التسامح المذكور فيه مبالغة واضحة. والسلف وأهل العلم لم يشددوا فقط على حرمة هذه العلاقة الشاذة، بل حرموا حتى الأسباب المفضية إليها، فأقوال العلماء متواترة في تحريم النظر بشهوة إلى المردان أو مجالستهم إذا خشيت الفتنة. ( 9 )

أما إذا قيل أن هذا رأي العلماء وأهل الفقه، إنما يُقصد أهل الأدب وعامة الناس، فنقول أيضا هذا غير صحيح، فالأدباء وإن صدر من بعضهم قصائد، فهم في الغالب يستبشعون هذه العلاقة الشاذة، وكذلك المجتمع. فالجاحظ مثلا حين كتب رسالة في مفاخرة الجواري والغلمان اضطر أن يتكلم في 5 صفحات مقدما الأعذار للقراء لأنه يتناول هذا الموضوع.. وفي نفس الرسالة مثلا يقول صاحب الجواري بلسان الجاحظ يرد على إيراد صاحب الغلمان بعض القصائد الغزلية في الغلمان: “أما أنت فحيث اجتهدتَ، واحتفلتَ، جئت بالحكمي، والرقاشي، ووالبة، ونظرائهم من الفساق، والمرغوب عن مذهبهم، الذين نبغوا في آخر الزمان، سُقاط عند أهل المروءات، أوضاع عند أهل الفضل، لأنهم وإن أسهبوا في وصف الغلمان فإنما يمدحون اللواط ويشيدون بذكره.” وقد يقال أن هذا الرأي مجرد مناظرة متخيلة للجاحظ، ولكن الجاحظ نفسه في رسائل أخرى مثل رسالة تفضيل البطن على الظهر، وفي كتاب آخر يذكر المحققون أن عنوانه في ذم اللواط، يصرح برفضه وتشنيعه على هذه العلاقة الشاذة. وفي نص آخر لافت يدل على نظرة المجتمع لمن ظهر عليه التعلق بالغلمان وملاحقتهم يروي الجاحظ : ” كان رجل من اللاّطة وله بنون لهم أقدارٌ ومروءات، فشانهم بمشيته مع الغلمان وطلبه لهم، فعاتبوه وقالوا: نحن نشتري لك من الوصائف على ما تشتهي تشتغل بهن فقد فضحتنا في الناس.”(10) لاحظ دلالة “فضحتنا بين الناس”، ومثل هذا كثير، فأين التقبل والتسامح مع هذه العلاقة؟.

وقد يقال أن المقصد بالتسامح معها أي شيوعها وانتشارها.. ولكن هذا ليس بلازم، فقد تنتشر ظاهرة ما وينتشر بالتزامن معها ذمها والقدح فيها والتشنيع على أصحابها، كما هو حاصل في تاريخنا مع هذه العلاقات اللوطية.

وعن القول بأن مصطلح الشذوذ الجنسي غير موجود في تراثنا الإسلامي والعربي ولم يستخدمه العلماء والأدباء قديما، فالرد عليه أن نقول: صحيح أن اللفظ بنفسه غير موجود، ولكن معناه صحيح، وهم لم يستخدموا هذا اللفظ ليس لأنهم لم يروا أنها ممارسة شاذة أو لأن هناك تسامحا نسبيا معها كما يبني على هذا البعض، بل لأنهم استغنوا عن هذا اللفظ بلفظ أشنع منه وهو اللواط فيقال للشخص لوطي وللممارسة لواط أو لوطية، فاستخدام هذا اللفظ أقوى أثرا وأشنع معنى لارتباطه بقصة قوم لوط وانحرافهم ثم تعذيبهم كما ورد هذا في القرآن.. أما عن مشروعية استخدام مصطلح الشذوذ فالعلماء لا يرون مانعا في استخدام الألفاظ الجديدة إذا كان معناها صحيحا، يقول ابن تيمية في درء التعارض حين تناول مسألة الألفاظ المحدثة في علم الكلام قال: “وأما مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم ولغتهم فليس بمكروه إذا احتيج إلى ذلك وكانت المعاني صحيحة”. ثم تحدث عن استخدام المتكلمين لعبارات مثل “الجوهر والعرض والجسم” التي ليس لها ذكر في الكتاب والسنة فقال: “فإذا عُرفت المعاني التي يقصدونها بأمثال هذه العبارات، ووُزنت بالكتاب والسنة، بحيث يثبت الحق الذي أثبته الكتاب والسنة، ويُنفى الباطل الذي نفاه الكتاب والسنة، كان ذلك هو الحق.” ( 11 )

ولنرى الآن هل معنى لفظ الشذوذ الجنسي يطابق المعنى الشرعي: 

في المعاجم العربية شذ الشيء أي انفرد وندر، ويقال عن الشيء المخالف لقاعدة أو أصل هو شاذ.. من هنا فإطلاق لفظ الشذوذ على اللواط إطلاق معتبر، فاللواط ممارسة منحرفة عن الأصل والفطرة، أي مخالفة للمارسة الجنسية المعيارية المشروعة.. وكوننا مسلمين ومرجعيتنا هو الشرع فبدهي أن الممارسة الأصل عندنا هي الممارسة الزوجية بين الذكر والأنثى، والقرآن يزخر بالآيات التي تذكّر بهذا المعنى: ( وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى ) . ( فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ ) . ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْأَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا ) . من هنا فاللواط، الذي هو علاقة جنسية بين ذكر وذكر آخر، أو السحاق الذي هو علاقة بين أنثى وأنثى، هي علاقات منحرفة وشاذة عن المعيار الشرعي.. وأما النصوص الشرعية من القرآن وكلام العلماء التي تورد ذكر اللواط في معنى أنه انحراف وشذوذ، فهي كثيرة.. ففي الآية الكريمة: (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ) وهو تذكير لقوم لوط بانحرافهم وشذوذهم عن الخلق وابتداعهم هذه الفاحشة. وفي الآية : (إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ) وهذا توبيخ واستنكار على شناعة فعلهم، ويقول تعالى في سورة الشعراء (أتأتون الذكران من العالمين. وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون).. تدل هذه الآيات صراحة على شذوذ قوم لوط ومخالفتهم فطرة الله، الفطرة التي تقتضي بأن يأتي الرجل المرأة وليس رجلا مثله..

وقد يرد السؤال هنا وما هي هذه الفطرة؟ والكلام عن مفهوم الفطرة عند العلماء المسلمين يطول وليس هذا مجال تفصيله، ولكن بالمختصر، يذهب أغلب العلماء إلى أن الفطرة هي دين الله الحنيف وهو الإسلام، ففي الحديث الصحيح : “مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ”. وهذا دليل على أن الفطرة هنا هي الإسلام، والتهويد والتمجيس هو انحراف به عن هذه الفطرة الأصل. فجميع البشر يولدون على فطرة الله أي دين الله الصحيح، وفي الحديث القدسي : “إني خلقتُ عبادي حنفاءَ فاجتالتْهم الشياطينُ “. والحنيفية تأتي في معنى الاستقامة(12). من هنا يصح أن يُقال أن اللواط ممارسة منحرفة عن الفطرة السليمة التي خلق الله بها البشر، وأن الحب الشاذ هو حب منحرف، لذلك سمى ابن تيمية هذا النوع من الحب “المحبة الشيطانية” فهي انحراف شيطاني عن الفطرة.. والنتيجة التي نصل إليها أن إطلاق لفظ الشذوذ الجنسي على اللواط إطلاق صحيح ويوافق المعنى الشرعي أيا كان مصدر هذا اللفظ.

وربما يُتسائل وهل الزنا أيضا مخالف للفطرة؟ والجواب نعم حتى الزنا سلوك يخالف الفطرة، والفطرة تقتضي أن يضبط الإنسان سلوكه الجنسي ويوجهه عبر الزواج الشرعي.. ولكن مع ذلك فمخالفة الفطرة ليست على مرتبة واحدة، يقول شيخ الإسلام معلقا على جملة (فأبواه يهودانه أو يمجسانه) : “ومعلوم أن هذه الأنواع بعضها أبعد عن الفطرة من بعض كالتمجيس.”(13) كذلك اللواط فهو أبعد عن الفطرة من الزنا، فهذه الممارسة (التي هي وضع العضو الذكري في الدبر) تشبه وضع الشيء في غير ما خالقه الله له..

بقي أن نمر سريعا على أقوال بعض العلماء المسلمين القدماء الذي أشاروا إلى هذه العلاقة بوصفها مخالفة للفطرة وتأباها النفوس والطباع السليمة، لنعرف أن هذا القول ليس بدعةً غربية أتتنا من العصر الفيكتوري الغربي كما يدعي بعض الباحثين الجدد ومنهم العامر:

يقول ابن القيم في تعليل لماذا أسقط بعض الأحناف الحد عن اللواط: “وشبهة من أسقط فيه الحد أن فحش هذا مركوز في طباع الأمم، فاكتُفي فيه بالوازع الطبعي، كما اكتُفي بذلك في أكل الرجيع وشرب البول والدم.” (14) وفي موضع آخر يقول ابن القيم عن الوطء في الدبر: “فإن الدبر لم يتهيأ لهذا العمل ولم يخلق له، وإنما هيّئ له الفرج فالعادلون عنه إلى الدبر خارجون عن حكمة الله تعالى وشرعه جميعا” . ويقول ابن كثير : ” فاللوطي قد عكس الفطرة، وقلب الأمر، فأتى ذَكَرا فقلب الله قلبه وعكس عليه أمره” .

ومن الطريف أن سلطان العامر في محاولته لإثبات أن أساس تصنيف الممارسات المنحرفة على أنها شذوذ هو أساس غربي، ينقل عن ريتشارد فون كرافت في كتابٍ له منشور عام 1886، أنه قسّم الممارسات الشاذة إلى أقسام من ضمنها قسم : “شذوذات ناجمة عن صرف الطاقة الجنسية لغير موضعها الصحيح، والمقصود بالموضع الصحيح هو الموضع الإنجابي عبر الممارسة من خلال الأعضاء التناسلية بين الذكر والأنثى.” ويعتبر العامر أن الغرب الحداثي بمثل هذه الرؤى هو من اخترع النظرة إلى اللواط على أنه شذوذ، لكن انظر كيف يطابق فون كرافت المعنى الذي قاله ابن كثير في تفسير آية (إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ) يقول ابن كثير: “أي عدلتم عن النساء ، وما خلق لكم ربكم منهن إلى الرجال، وهذا إسراف منكم وجهل، لأنه وضع الشيء في غير محله “.

يتضح بعد هذا العرض خرافة القول أن الغرب الحديث هو من اخترع النظرة إلى الممارسة اللوطية على أنها شذوذ.. والقول بأن المعيارية الزوجية بين الذكر والأنثى هي الأصل وهي الممارسة المتوافقة مع الفطرة ليست شيئا لا يعرفه تراثنا العربي والإسلامي بل هذا هو المتقرر..

بقي أن نختم كيف أن الأستاذ سلطان العامر الذي يتهم مناقشيه بأنهم متأثرون بمنطق الرجل الأبيض، وبلغته ومصطلحاته، أنه عند التحقيق هو المتأثر بمنطق الغرب، ولكن، الغرب المعاصر المابعد حداثي الذي يرسخ القيم النسبوية، والذي يرفض الرؤى الثابتة والمعيارية، ويفضل عوضا عنها الرؤى المائعة، فليس هناك أصل ولا طبيعة، وليس ثمة فطرة، وبحسب هذا المنطق فجعل الممارسة الزوجية بين الذكر والأنثى هي المعيار المقبول للعلاقات الجنسية قول لا يستند على أصل، إذ هُدمت كل الأصول.

لذلك فهؤلاء إن قبلوا لوازم أفكارهم، فهم يشرّعون كل الأشكال الجنسية الشاذة والمنحرفة.. وفوكو حين كان يعتدي جنسيا على أطفال بعمر السابعة والثامنة، لم يكن متناقضا، بل هو متسق جدا مع أفكاره، ولا معنى أن نقول أن فوكو كان منحرفا وشاذا إذا كنا ننكر منذ البداية فكرة المعيار أو الأصل الذي نتحاكم إليه.

وأيضا سلطان العامر هو الذي يستخدم اللغة الغربية حين يسمي هذه الممارسات “مثلية”، وإن كان مصطلح المثلية هو الأكثر حيادا، إلا أن مشكلتنا أصلا هي مع هذا المنطق الحيادي الذي لا يعرفه تراثنا ولا مرجعيتنا الشرعية، فالعلماء المسلمون قديما لم يستخدموا مفاهيم محايدة لوصف هذا الممارسة الشاذة، بل سموها “لواط”، وهي تسمية متحيزة ومحملة بالمضامين الأخلاقية التي تشنع عليها.

—————- الهوامش

1- فتاوى محمد بن ابراهيم، جمع وتحقيق محمد قاسم، فتوى اللواط ص28، فتوى التدخين ص76

2- خالد الرويهب، ما قبل المثلية الجنسية في العالم العربي والإسلامي، ص391

3- المصدر السابق ص397

4- مقال منشور بعنوان ثوابت وحقوق وقوس قزح

5- ميشيل فوكو، تاريخ الجنسانية/ استعمال المتع، ص20

6- ميشيل فوكو، تاريخ الجنسانية/ إرادة العرفان، ص32

7- المصدر السابق ص7

8- المصدر السابق ص34

9- ابن الجوزي، ذم الهوى، ص126

10- الجاحظ، مفاخرة الجواري والغلمان

11- ابن تيمية، درء التعارض 1 / 44

12- ابن تيمية، درء التعارض 8 / 359 وما تلاها

13- المصدر السابق 447

14- ابن القيم، إغاثة اللهفان، 2 / 44

الاثنين، 12 سبتمبر 2022

التمرير الهامشي الباطل

 أكثر ما يعزز الباطل، ليس الترويج له، إنما تمريره كشيء عادي، كأمر لا يستحق الوقوف والالتفات.. الترويج الصريح للباطل يجعل المتلقي في مواجهة معه، فهو إما يقبله أو يرفضه، لكن في الحالتين هو ينتبه لوجوده، ففي هذه الحالة على الأقل يكون الباطل مسألة مطروحة أمام الوعي.. أما في حالة عرضه كشيء جانبي، شيء غير منتبه له، هنا يؤخذ الباطل كأمر مسلم به، أمر بديهي لا يستحق حتى أن يدور حوله نقاش..  إن خطورة هذا العرض الهامشي للباطل، أنه يمرر الباطل إلى اللاوعي مباشرة دون المرور بالوعي، فلا يُفحص الخطأ ولا يُساءل إنما يقبل مباشرةً دون شعور.. ومن يلاحظ طريقة ترويج الشذوذ في أفلام السينما، يجد أغلبها تتخذ هذه الطريقة غير المباشرة في الترويج.. فقلما تجد أفلاما تطرح أفكارا واضحة تدعو إلى تقبل الشذوذ، إنما يكون ترويجهم مدسوسا ضمن حبكة درامية لا تركز بالضرورة على الشذوذ، إنما تكون فيه العلاقات الشاذة مسألة جانبية، مسألة لا تستحق أن يقف عندها المشاهد أو ينشغل بها، قصة عابرة ليس المطلوب منها أن تلفت نظرك، إذ هي لا تخاطب وعيك، لكنها مع ذلك تركز على شيء آخر، إنها تركز على لاوعيك.. لا يريد مروجو الشذوذ في الأفلام أن يؤثروا على عقلك، إنما يريدون في المقام الأول التأثير على ذوقك، على نفسيتك ومزاجك، وحينما تتقبل نفس الإنسان رؤية الشواذ ويتطبع ذوقه مع وجودهم، سيسهل إقناعه لاحقا بصحة أفعالهم وممارساتهم، أو على الاقل لن يتشدد في رفضهم ولن يشمئز من سلوكهم.. حينما يكتب أحدهم متقبلا فكرة الشذوذ: "عادي خلوهم ما ضروا أحدهم" ، فاعرف أن لفظة "عادي" هنا تشكلت وفق رحلة طويلة، لم يصبح العادي عاديا في ذهن هذا القائل إلا بعد ترويج طويل قُدّم فيه الشذوذ في صورة العادي. ليس الشذوذ سوى مثال شهير لهذا التمرير الخفي للباطل، بينما الأمثلة لا تحصر.. تأمل النكت / الميمز / السوالف ، التي تأتي في داخلها المحظورات كأشياء لا ينبغي أن تلفت النظر، فالهدف الأساسي مثلا من النكتة أن تضحك منها فقط، ولا تشغل نفسك بمسائلة مضمون الممارسة القابعة في داخلها، هل هي مقبولة أو لا..  وهذا هو مكمن الخطورة، أن هذا التمرير غير المباشر هو أصلا يقدم لك الأفكار على أنها مقبولة من البداية، فقبولها شيء منتهي، وما عليك سوى أن تقبلها أنت دون اعتراض.

العداوة بوصفها تبعية

 العداوة لفرد أو تيار أو فكرة، إذا زادت عن حدها تنقلب في عمقها إلى النقيض، فتصبح تعلق وارتباط وعدم قدرة عن الانفكاك عن هذا المعادى.. ومثلما يفعل الحب الشديد والتماهي مع شيء، كذلك يفعل البغض الشديد والعداوة المتطرفة.. كلاهما يسيطر على تفكير المرء ويتحكم بنمط تفكيره وتشكيل قناعاته.. وإن كان التماهي تقليد محض، وبالتالي هو تبعية للمحبوب، فالعداوة المتطرفة كذلك هي نوع من التبعية للعدو.. حينما لا يُعرف الإنسان إلا بوصفه خصما لهذا الشيء أو ذاك، ويصبح نقد هذا الشيء ومناكفته ومعاندته سمة لازمة لهذا الانسان، فقد صار في النهاية مجرد تابع وأسير لهذا الخصم.. تسلب هذه العداوة المتطرفة الإنسان ذاتيته، فلا يستطيع في هذه الحالة الانطلاق من رؤية ذاتية متحررة، فالخصم هنا هو حاضر دائما في الذهن، بالنظر إليه تتشكل القناعات ويسير نمط التفكير.. صحيح أن القناعات تكون في الغالب ضد قناعات الخصم، تنافره وتعانده، لكن يبقى ألا وجود لها إلا بوصفها ضد، فوجود هذه القناعة من البداية هو وجود تبعيّ غير أصيل.. من هنا فالتماهي مع الشيء أو التطرف في معاداته ينتهيان إلى نفس النتيجة: صعوبة الانعتاق من الآخر، وعدم القدرة على التفكير الحر وبناء الآراء المستقلة. 


ليست هذه دعوة مثالية لترك العداوات، فبعض الخصومات جديرة بالعداوة، والاشتباك مثلا مع الافكار الباطلة ومخاصمتها أمر مشروع بل وضروري.. ولكن هي دعوة للاقتصاد في العداوة، دعوةٌ لأن تعطى العداوة حقها من الاهتمام والرد، وليس أن تُعطى فوق حقها.. حين تكرس كامل وقتك للاصطراع والاحتراب مع فكرة أو شخص، فأنت تحصر نفسك في عالم ضيق، وتختزل نظرتك إلى العالم والأحداث حتى يصبح كل شيء منظورا إليه من نافذة هذه العداوة.. والأهم أن كثافة الصراعات تشغلك عن بناء عالمك، تشغلك عن أولوياتك وقضاياك الخاصة.. لا ينبغي أن يكون طرحك كله ردة فعل، وتذكر : حين تكون مجرد صدى لغيرك ستفقد مع الوقت أصالة صوتك.

الاثنين، 20 يونيو 2022

المعرفة الدينية والمعرفة الفلسفية

 من أهم ما يميز المعرفة الدينية عن المعرفة الفلسفية، أن المعرفة الدينية تعتمد على فكرة الامتداد، بينما المعرفة الفلسفية تعتمد على الانقطاع. والامتداد مذهب أوثق وأضبط للمعرفة من الانقطاع. وأعني بالامتداد فكرة أن يكون للقول أصل وسلف معتمد، فلا يقبل القول المبتدع الذي يخالف الأصول المعتمدة.. والمعرفة الفلسفية لا ترى هذا المنهج، بل هي تفضل منهج الانقطاع. حيث المتفلسف لا يعتمد على قول من سبقوه، بل كثيرا ما ترسخ الأدبيات الفلسفية فكرة الانفصال ونقد الموروث، بل والشك في كل معرفة سابقة والبداية من نقطة الصفر. إذ يتوهم الفرد تحت تأثير هذه الأدبيات أنه قادر وحده - باستخدام عقله - على حل كل المشكلات والوصول إلى معرفة يقينية غير مسبوقة. والنتيجة أن كل متفلسف ينقض قول من سبقه ويبين تهافته وقصوره، لذلك تكاد لا تجد علما من العلوم، فيه هذا القدر من الاختلاف والاضطراب كما هو موجود في الفلسفة.. 


وهذا ما يجعل الرؤية الدينية أحكم من تلك الرؤية الفلسفية، فالمعرفة الدينية تدرك قصور الوعي الفردي وتعي أهمية التكاتف المعرفي. فالعقل الإنساني ككل عقل قاصر عن إدراك بعض المسائل فكيف بعقل الفرد الواحد. لذلك -وعلى عكس الفلاسفة- أدرك العلماء المسلمون هذي الإشكالية ونجحوا ببراعة قل نظيرها في ترسيخ مبدأ الامتداد المعرفي وذم منهج الابتداع والانقطاع.. فعلم الحديث مثلا -وهو العلم الذي لم تعرف مثله الأمم الأخرى- هو علم معني بفحص الاسانيد التي نقلت إلينا أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام، والسند سمي كذلك لأن كل راو يسند حديثه إلى راو آخر حتى يكتمل السند ويتصل.. فيتبين هنا أهمية التسلسل في نقل العلوم، لذلك يروى عن ابن المبارك رحمه الله أنه قال: "الإسناد من‬⁩ ⁦‪‬⁩ ⁦‪الدين‬⁩، ولولا ⁦‪الإسناد‬⁩ لقال ⁦‪من‬⁩ شاء ما شاء".  وكذلك أصّل العلماء لمفهوم الإجماع. والإجماع يعارض بوضوح المنهج الفلسفي الانقطاعي، فالاجماع قائم على قوة الاعتبار للقول الجماعي على الفردي. فاتفاق العلماء المسلمين على حكم شرعي، له الافضلية على قول الفرد الواحد منهم.. وبهذه المفاهيم وغيرها يتضح التمايز بين الرؤية الدينية التي تعتمد مبدأ الامتداد، والرؤية الفلسفية القائمة على مبدأ الانقطاع، وبالتالي يتضح أيهما أقدر على ضبط المعرفة وحفظها من التشتت والاضطراب.

الجمعة، 17 يونيو 2022

لمحة حول كتاب المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام

 لو قُدر لقارئ أن يطلع على كتاب المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، دون أن ينظر إلى اسم مؤلفه، لظن أن هذا الكتاب قام به مجموعة متخصصين، أو دائرة معارف كاملة، ويستحيل أن يطرأ عليه أن هذا الكتاب قام به رجل واحد.. فالكتاب عظيم ليس في حجمه فقط ولكن في قيمته ومضمونه. ولا عجب فمؤلفه كما يقال عكف عليه ما يقارب 40 سنه وهو يؤلفه، والمؤلف هو المؤرخ العراقي النابغة جواد علي، حصل على شهادة الدكتوراة من جامعه هامبورغ بألمانيا.. وله مؤلفات كثيرة أشهرها بلا شك موسوعته هذه: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام 10 أجزاء.

يقال أن المؤرخين المعاصرين كانوا عالة على كتب المستشرقين في تاريخ العرب قبل الإسلام، حتى ألف جواد علي كتابه هذا فصار المستشرقون يعتمدون عليه.. وأكثر ما يميز هذا الكتاب عن غيره هي الموارد المتنوعة التي اعتمد عليها المؤلف في كتابه، فلم يعتمد على الموارد الكلاسيكية التي تحدثت عن تاريخ الجاهلية، بل نقب في كل ما يمكن أن يمت لهذه الحقبة بصلة، فاطلع على كتابات المستشرقين واكتشافاتهم الحديثة، من آثار ونقوش ونصوص أثرية، وبحث في اللغات القديمة التي ورد فيها ذكر العرب أو بعض القبائل والممالك العربية.. هذا بالإضافة إلى اطلاعه الواسع على المصادر الكلاسيكية وأهمها كما يذكر المؤلف القرآن والسنة، وما ذكر فيهما من أمر الجاهلية وهما -كما يؤكد المؤلف- أصح وأقدم مصدرين إسلاميين يمكن أن نعرف منهما حال هذه الحقبة، بالإضافة إلى كتب التاريخ والأدب وأيضا التفسير، ومن نظر إلى المراجع التي أشار إليها المؤلف، سيلفت نظره مقدار الجهد الكبير الذي بذله المؤلف في التنقيب عن هذا التراث الجاهلي .. ومع هذا البحث الواسع وكثرة المرويات التاريخية، يتميز المؤلف بمنهجه العلمي الرصين، فلا يأخذ الروايات مأخذ التسليم مهما بدت شائعة دون أن يفحصها وينقدها.. لذلك فالمؤلف كثيرا ما يطرح آراء جديدة يخالف فيها ما هو شائع في كتب التاريخ، ولا يسلم المؤلف إلا لما أدى إليه اجتهاده كما أنه كثيرا ما ينتقد آراء المستشرقين ويرجح عليها آراء أخرى.. فالمصنف هو مؤرخ ناقد، وليست مجرد إخباري يسرد كل ما اطلع عليه دون تمحيص، كما يفعل كثيرون.


كانت الحقبة الجاهلية بالنسبة لي شخصيا مرحلة ضبابية، لا أعرف عنها سوى آراء تعميمية مبتسرة، لذلك كنت متشوقا أن أقرأ كتابا موسعا عن هذه الحقبة المهمة في تاريخنا. ومن حسن حظي أن اخترت هذا الكتاب.. يشير المؤلف في البداية إلى نظرة مغلوطة عن تاريخ الجاهلية على اعتباره مرحلة جهل لا حضارة فيها ولا علم، ويذكر المؤلف أن هذا اللبس ربما وقع من لفظة الجاهلية نفسها، إذ ظن بعضهم أنها آتية من الجهل الذي هو ضد العلم.. ويرجح المؤلف أن مصطلح الجاهلية أتى بمعنى الجهل الذي هو السفه والتعصب والأنفة، ومنها قول عمرو بن كلثوم:

ألا لا يجهلن أحد علينا …فنجهل فوق جهل الجاهلينا

أي لا يسفهن أحد علينا فنسفه عليه، ومنها قول الرسول عليه الصلاة والسلاة لأبي ذر رضي الله عنه : إنك امرؤ فيك جاهلية. حينما عير بلالا رضي الله عنه.. ولا تدل المواضع الذي ذُكرت فيها مصطلح الجاهلية أنها تعني الجهل الذي هو عدم العلم، ويؤكد المؤلف أن الحقبة الجاهلية فيها حضارة وعلم وأدب، وهي لازالت مرحلة تحتاج إلى مزيد دراسات وأبحاث، ولا زالت الاكتشافات الحديثة تمدنا بآثار عربية تؤكد لنا على أن حضارة العرب حضارة عريقة تستحق الدراسة.

يستفتح المؤلف أول آرائه الطريفة في ذكر اسم العرب نفسه، من أين جاء وماهو مصدر التسمية.. لا يكتفي المؤلف كعادته بالآراء التقليدية، مثل : أن العرب من يعرب بن قحطان.. وأن حسان بن ثابت قال : 

تعلمتم من منطق الشيخ يعرب…أبينا فصرتم معربين ذوي نفر

أو لأنهم يعربون عن كلامهم أي يفصحون. وإن كان من منهجه ألا يجزم بخطأ مثل هذه الآراء لكنه ينقب في آراء أخرى غير مطروقه في التاريخ الإسلامي. فمثلا يمكن أن يُبحث عن اسم العرب في اللغات السامية القديمة، ثم يُرى متى أول تسمية وردت في هذه اللغات.. فوُجد أن أقدم لغة ورد فيها ذكر العرب هي اللغة الآشورية، في نص قديم يعود إلى أكثر من 800 ق.م  تقريبا، في أيام الملك شلمنصر الثالث. وهكذا اطلع المؤلف على بحوث علماء الساميات ودون الموارد التي ذُكر فيها اسم العرب أو بلاد العرب، فوجد أن لفظة العرب عند الاشوريين والبابليين القدماء وكذلك العبرانيين كانت تعني الأعراب، أي أهل البادية.. أما القبائل العربية المستقرة فكانت تسمى بأسمائها، ثم يخرج المؤلف برأيه الذي مفاده: أن إطلاق اسم العرب على الحضر والبدو هو إطلاق حديث نسبيا، أما في النصوص الأثرية القديمة فكان العرب أو "أرابو أو أرابي"، على اختلاف قراءة العرب في تلك اللغات، إنما كانت تشير إلى أهل البادية الرحل فقط. وحتى في النصوص العربية الجنوبية كانت لفظة "اعرب" تعني الأعراب أما أهل المدن والقبائل اليمنية سبأ وهمدان وحمير.. فكانوا يسمون بأسمائهم. انظر الكتاب ( 14 / 1 )


لا يمكن مراجعة كل مضامين الكتاب، فالكتاب ضخم، لذلك سأكتب لمحة بسيطة أضيء فيها على بعض مواضيع الكتاب لا أن أشير إلى كل موضوع تناوله، فهذا يحتاج إلى عشرات الصفحات.. 

الكتاب في كل جزء منه تقريبا موضوع خاص، ففي الكتاب الأول تناول مسألة أصل العرب وأراضيهم وطبيعتها، ثم عن طبقات العرب ( البائدة والعاربة والمستعربة ) وإن كان يتحفظ على هذه التسميات خصوصا العاربة والمستعربة أو عدنان وقحطان،  ويطرح بعض الآراء الجريئة في هذا.. ويسرد في هذا الجزء أنساب العرب. ثم الكتابان الثاني والثالث عن ممالك العرب، سواء الجنوبية أو الشمالية.. وأشهر الممالك الشمالية كما هو معروف مملكتي المناذرة والغساسنة.. وفي الجزء الرابع عن مكة ويثرب والطائف، والتي هي كما هو معلوم لا تعتبر ممالك إنما لها نمط خاص من الحكم هو أقرب إلى الحكم الشوري، حيث يجتمع سادات القبائل ويتشاورون ويقررون، فهي تختلف عن الممالك العربية الأخرى التي تعتمد على حكم الفرد.

وفي الأجزاء الأخرى عن الحياة الدينية في الجاهلية، عن أشهر أصنامهم، وعن تاريخ الكعبة وعن جماعة الحنفاء، وعن اليهود والنصارى ووجودهم في جزيرة العرب. ثم عن الحياة الاقتصادية، وتجارة العرب وأشهرها تجارة قريش، وعن نمط تجارتهم.. وأيضا عن الحياة اليومية وعن ثقافة العرب وأشهر أكلاتهم وألعابهم، ومن الطريف أني وجدت اللعبة البدوية الشهيرة "عظيم ضاح" التي يلعبها صبيان البدو حتى عهد قريب، كانت معروفة في الجاهلية، بل ويروى أن الرسول صلى الله عليه وسلم لعبها وهو صغير، ولكن كانت تسمى "عظيم وضاح"، ووصلتنا محرفة إلى عظيم ضاح وأحيانا عظيم ضاع.


وثمة مباحث أخرى طريفة عن لغات العرب ولهجاتهم، وكيف سادت لغة القرآن.. والمؤلف له آراء حول هذا الموضوع، فهو يخالف الرأي المشهور الذي يقول: أن هذه اللغة الفصحى السائدة الآن والتي هي لغة القرآن، هي لغة قريش، لأن قريش أفصح العرب. وفي سوق عكاظ تناشد العرب الشعر الجاهلي بلسان قريش. وهو يخالف هذا، وليس شرطا أن نوافقه في رأيه ولكن يبقى أنه رأي يستحق التوقف عنده، حيث يرى أن مملكتي الحيرة والغساسنة هما من ساهما بشيوع هذا اللسان الفصيح، لأنهما كانا موؤلا لكثير من الشعراء الجاهليين المشهورين، وأيضا أن هذا اللسان هو لسان العرب الشمال عموما، والذي بقي منه ليس لهجة واحدة إنما خليط من لهجات العرب العدنانية.. تجد تفاصيل هذا الرأي في الجزء الثامن ص 562 وما بعدها من فصول. 


ومن المباحث المشوقة مبحث الخط العربي، كيف نشأ، وكيف تطور، وما أقدم نص عربي مكتوب بهذا الأحرف التي نعرفها.. واختلاف هذا الخط العربي عن خط المسند الذي تكتب به عرب اليمن.

ومن المرويات التي تروق لي شخصيا، هي الرواية التي تقول أن القلم العربي دخل إلى العرب بفضل رجل من دومة الجندل ( ودومة هي الجوف ديرتنا 😁 ) ، فيروى: أن بشر بن عبدالمملك أخو أكيدر بن عبدالملك الكندي حاكم دومة الجندل، تعلم الكتابة من أهل الأنبار، وخرج إلى مكة وتزوج الصهباء بنت حرب بن أمية، وعلم جماعة من أهل مكة الكتابة، فكثر من يكتب بمكة من قريش بفضله.


وفي الكتاب فصول عن أيام العرب وغزواتهم، وهي من أمتع الفصول التي قرأتها.. وفيها قصص كثيرة تعزز من مبادئ الأخلاق وتعلي من أخلاق الشرف والشهامة، ففيها ذكر عن كرم العرب، ووفاءهم ، وشجاعتهم..

ونهاية الكتاب الثامن مخصص عن الأدب الجاهلي، بدأه بالقص ثم النثر والخطابة في الجاهليه، وأشهر الخطباء وعن أهمية الخطابة عند العرب.. ثم الكتاب التاسع كله عن الشعر الجاهلي، تكلم عن بداياته، ومن هو أول شاعر، وعن قضية المنحول منه، ولكن عرضه لقضية النحل مبتسر وكنت أتوقع أن يطيل فيها لأهميتها خصوصا عند جيل جواد علي ممن زامنوا الصخب الذي دار حول أطروحة طه حسين عن الشعر الجاهلي، ثم تكلم عن المعلقات وشعراء الصعاليك والشعراء المخضرمين.. والحقيقة أن كتابه المخصص عن الشعر هذا لم يكن بالشكل الذي تأملته، فمن بداية الكتاب وأنا أنتظر بشوق هذا الباب، فكنت أتوقع أن أجد فيه شيء عن موضوعات الشعر الجاهلي، وعن أثر البيئة على هذا الشعر، وعن جماليات الشعر الجاهلي وبيانه، ولكن لم أجد فيه مثل هذا الكلام الذوقي. ولكن ربما يُعذر جواد علي في هذا، فهو مؤرخ وليس ناقدا أدبيا، ومزاج المحقق غلب عليه عند تناول هذا الموضوع، وإن كان الموضوع هذا بالذات يحتاج تناوله إلى شيء من الذوق الفني..


وأما الكتاب العاشر والأخير فهو فهارس.. وهناك كتاب عنوانه تاريخ العرب في الإسلام، لم أطلعه عليه، كتب جواد علي جزءه الأول وربما كان ينوي إكماله ولكن وافته المنية.. رحم الله المؤرخ العراقي الكبير جواد علي، فكتابه هذا مما يمكن أن يفاخر به المعاصرون القدماء.. وليس مبالغة ما قيل فيه: أن تاريخ الجاهلية كان في مرحلة، وبعد كتاب المفصل صار في مرحلة أخرى..

هذه لمحة خاطفة كتبتها على عجل، والكتاب يستحق أطول من هذه المراجعة .. وصلى الله وسلم على نبينا محمد .

الثلاثاء، 24 أغسطس 2021

الموضوعية الرسالية

 ‏كثيرا ما نسمع دعاوى شهيرة ومتضاربة حول قيمتي الموضوعية والرسالية، فنجد طرحا يطالب بالموضوعية ويذم طغيان التناول الرسالي، والعكس كذلك فثمة طرح آخر لا يرى الرسالية تهمة بل قد يعتبر الموضوعية في بعض الحالات هي ما يجب أن يُذم. والحقيقة أن كلا الطرحين فيهما من اللبس والغموض مما يجعلنا نضطر إلى تفكيك هذه المفاهيم والدعاوى حتى يتضح موطن الإشكال في النهاية. 

‏أولا هناك مفترضات قد يُغفل عنها عادةً عند الحديث عن الموضوعية والرسالية، إذ معنى الموضوعية في الأصل يقوم على افتراض أن هناك ذاتًا مستقلة تقابل موضوعا منفصلا عنها، وبالتالي تتعامل معه على هذا الأساس،  ومن هنا يأتي غلط من يدعو إلى موضوعية مجردة، إذ يعتقد أنه من الممكن أن يتناول المرء الموضوعات وهو يقف على حياد تام بالاستقلال عنها، وبالتالي يزعم أن حكمه سيظهر في هذه الحالة خالٍ من شوائب الذات. هذا الافتراض تعرض لنقد قوي مع الفلسفات المعاصرة، فهيدغر مثلا يرفض هذه الثنائية من الأساس، أي فكرة الذات المنعزلة التي تدرك الأشياء وهي بعيدة عنها، يقول هيدغر "في التوجه نحو، والإدراك، لا يذهب الدّازين ( الوجود الإنساني) لأول مرة خارج دائرته الباطنية حيث يكون مودعا كما في كيس منذ البداية، بل هو طبقا لنمط كينونته الابتدائي يوجد دوما "في الخارج" لدى كائن ملاق له من العالم المكتشَف بعدُ في كل مرة" (هيدغر الكينونة والزمان ترجمة المسكيني ص 144 ). لكن بعيدا عن هذه الاشكالية التي يمكن تجاوزها مع أهميتها، ثمة طرحٌ تبسيطي للمسألة يزعم أن الموضوعية ببساطة، هي أن تصف الشيء كما هو، فمثلا لو رأيت الجو ممطرا، ثم نطقت: الجو ممطر. فأنت هنا نطقت بوصف موضوعي يصف الواقعة كما هي. بينما لو قلت: الجو جميل. فسيقال لك أن هذا الوصف ذاتي وغير موضوعي، إذ يعبّر عن انطباعك عن الموضوع (الجو )، وبالتالي ينتج عن هذا القول بأن الموضوعية ممكنة بمعنى وصف الشيء كما هو. 

‏المشكلة في هذا التفسير التبسيطي أنه يغفل عن كون هذه الأمثلة التي يوردها هي امثلة غير مركبة، وتتحدث عن وقائع بسيطة. بينما حين يتحول الطرح إلى مسائل أكثر تعقيدا من واقعة "الجو ممطر"  ، كالقضايا الفكرية والعقدية والثقافية، سيختفي هذا الوضوح ويختلط الذاتي بالموضوعي على نحو حتمي. فعلى سبيل المثال يستحيل عليك أن تتناول موضوعا في مسألة تراثية، دون أن تقع بتحيزات من نوع ما. وهذه التحيزات لا يمكن تجنبها، لأن التراث ومسائله هو جزء مكوِّن من ذهنيتك وثقافتك وتاريخك، وبالتالي هو جزء من وعيك ولا وعيك على السواء، من هنا يكون الانحياز في تناول مثل هذه المواضيع المعقدة حتميا وخفيا في آن. وقل مثل هذا في تناول المواضيع الثقافية او الفكرية الأخرى.

‏ومن الفلاسفة الذين يعتقدون هذا الرأي، الفيلسوف الألماني جورج غادامير، إذ ينفي غادامير إمكانية الوصول إلى حالة موضوعية مجردة، ويعتقد أن المرء في تناوله لأي موضوع لا بد ان ينطلق من أحكام مسبقة وافتراضات محددة وتوقعات منتظرة، وهذه كلها أمور لا يمكن تحييدها، إذ هي تشكل عملية الفهم نفسه، وبدونها لا يحصل الفهم أصلا. "لكي  يفهم المرء ينبغي أن يفهم سلفا، أن يكون لديه موقف. استباق. سياقية. فالمرء لا يسعه أن يعرف إلا ما هو مؤهل لمعرفته". ( فهم الفهم عادل مصطفى ص11) ولتوضيح هذه المسألة تخيل أنك تأتي إلى موضوع ما وأنت خالٍ من أي حكم أو قناعة أو افتراض حول هذا الموضوع، ففي هذه الحالة أنت لا تستطع فهم هذا الموضوع من الأصل، فضلا عن أن تصفه أو تصدر حكما عليه. من هنا يتبين لنا خرافة الموضوعية المجردة والحياد التام. 

‏لكن هل معنى هذا أن ننفي هذه القيمة بالجملة، ولا نراعيها في أبحاثنا وأحكامنا؟ الحقيقة أنه لا يلزم من هذه النتيجة أن ننبذ مفهوم الموضوعية كليا، بل يمكن القول ان الموضوعية قيمةٌ مثالية، مثل كل القيم المثالية الأخرى، فمع علمنا أن القيم المثالية لا يمكن تحصيلها على التمام، إلا أنه لا يمنع من تلمس هذه القيم ومقاربتها ومحاولة الوصول إلى درجة مُرضية منها، كقيمة العدل مثلا، فمع إدراكنا أن العدل المطلق لا يمكن أن يتصف به المرء، إلا أننا لا  ننبذ هذه القيمة ونكون ظالمين بحجة أنه من الصعب الوصول إلى العدل المطلق. وكذلك الأمر مع الموضوعية، إذ من المهم أن يراعي الباحث وصاحب الراي الموضوعية ويحاول الوصول إلى حالة مُرضية منها مع وعيه بحتمية تحيزاته.

‏عودا على جدل الموضوعية والرسالية، من المهم أن تُطرح بعض التوضيحات التي ربما هي من باب المجمع عليه، لكن ذكرها ضروري حتى لا تلتبس الدعاوى . إنه من البدهي أن يُقال ، أن ثمة مقامات في الكلام بناء عليها تتأسس مشروعية مطلبيْ الموضوعية والرسالية. فثمة مقام يكون فيه المتكلم أو الباحث، في مقام الإفصاح عن الرأي وتوضيح حقٍ ما أو كشف باطل، ففي هذه الحالة من المعيب أن ننتقد هذا المتكلم بدعوى أنه لم يكن موضوعيا في طرحه، إذ في هذا المقام يعي المتكلم أنه يؤدي رسالة معينة تحتمها عليه عقيدته أو مرجعيته، وليس المقام مقام حياد أو وصف موضوعي. كذلك قد يكون المتكلم في مقام آخر، ليس مقام الإفصاح عن الراي، إنما مقام الوصف وعرض الأفكار كما هي، ففي هذه الحالة تأتي قيمة الموضوعية كمطلب مشروع، بل ضروري، إذ يُستحسن هنا الحياد وتحري الدقة في وصف ذلك الموضوع، ومن الغلط اتهام الباحث في هذه الحالة أنه يلمّع هذا الموضوع أو يدعو إليه في مقام يتطلب منه الوصف والانصاف.

‏لكن مع هذا فكلامي أعلاه قلما يثير الجدل ( أو هكذا أظن)، إذ من المتفق عليه عند الطرفين (أي دعاة الموضوعية ودعاة الرسالية) أن الموضوعية والرسالية كلاهما لا يُستغنى عنه . إنما غالب الجدل يُثار حول كيفية ممارسة هذه الموضوعية أو الرسالية، أو بتعبير آخر فأغلب الجدل يكون حول ما يمكن أن أسميه: "الجرعة الزائدة" من الموضوعية أو الرسالية. وهي جرعة سلبية بلا شك.

‏أولا في حالة الجرعة الزائدة من الموضوعية، قد يتحول المرء إلى شخص محايد في أغلب الحالات، إذ يختفي من كلامه وأبحاثه طابع الأحكام التصويبية والقيمية المعبرة عن آرائه ومعتقداته، فيضخم من قيمة الموضوعية ويقلص من مساحة الحكم حول ما يطرح، إلى درجة يُشك فيها أنه يملك رأيا حول ما يطرح. وهذا لا شك أمر مرذول من ناحية شرعية ومن ناحية أخلاقية أيضا، إذ المسلم مطالب بأن يُظهر الحق الذي يعتقده ويصدح به، ويرفض الباطل وينبذه، لا فقط أن يصفه دون أن يحكم عليه. وهذه الموضوعية المتطرفة هي لا شك تحمل نفَسا حداثيا غربيا لا يعرفه تراثنا الاسلامي. ففي الحداثة تم التمييز بين "ما هو كائن" وما "ينبغي أن يكون"، وبالتالي يُطالب الباحث عادةً بأن يهتم "بما هو كائن" ويتجاهل عمّا "ينبغي أن يكون". فيلزم من هذا عزلُ القيم الأخلاقية والأحكام المعيارية عن الموضوع، ويُنظر إليه كما هو دون حكم أو رأي حوله. يقول وائل حلاق: "في التراث الإسلامي قبل الحديث، كان "ماهو كائن" وما "ينبغي أن يكون" أي الحقيقة والقيمة الشيء الواحد نفسه، ولم يكن التمييز قائما كما هو في العالم الحديث " (الدولة المستحيلة ص162 ) .

‏أما عن الجرعة الزائدة من الرسالية، فهي أمر واقع للأسف وليست مجرد دعوى. فالبعض تحت عباءة الرسالية يمارس الإجحاف والافتئات على خصومه والمخالفين له، فيصفهم بما ليس فيهم دون إنصاف وعدل. والبعض قد لا يفعل هذا ولكن قد تنقصه الحكمة في حالات أخرى، كأن تطغى الرسالية في مقامٍ يُراد منه توضيح الفكر ووصفه، إذ يحصل في هذه الحالة  ألا يَظهر الموضوع إلا على اعتباره مجرد انعكاس لآراء المتكلم ومعتقداته، ولا تكاد تعرف الموضوع على حقيقته. وبالتاكيد لا بأس من الرد على الأفكار والآراء الباطلة، لكن إن كان المقامُ مقام تعريف للموضوع، ففي هذه الحالة يُطلب الحياد والإنصاف، لا الرد والهجوم. من هذا يتضح أن ليس ثمة تضاد بين الموضوعية والرسالية، وأنه من الممكن -بقدر من التوازن والحكمة والتمييز بين المقامات- أن تقوم موضوعية ورسالية في آن، وليس موضوعية أو رسالية، على اعتبارهما ضدين. وتبين كذلك عند التدقيق، أن الطرفين - دعاة الموضوعية ودعاة الرسالية- في الغالب ليس لديهما مشكلة مع هاتين القيمتين في ذاتهما. إنما الإشكال حول الكيفية والمواطن التي تُمارس بهما هاتان القيمتان.

السبت، 17 أكتوبر 2020

الاستدلال النظري في مقابل الاستدلال العملي

ثمة نكتة شهيرة تقول أن ابنا أراد أن يتمنطق على والده وهم يتناولون الغداء، فقال الابن لوالده هل تعلم أني أستطيع أن أقنعك أن مافي الصحن دجاجتين وليست دجاجة واحدة، فسحب الأب الدجاجة وبدأ يأكل منها وقال: الدجاجه الثانيه خذها لك! 

لفتت نظري هذه النكتة، بعيدا عن طرافتها، إلى إشكالية عميقة، فالابن في هذه النكتة يبدو أنه أراد أن يقنع والده بالحجج العقلية ليغير رأي الأب فيما يراه مباشرة، لكن الأب قطع عليه هذا الطموح مستخدما برهانا عمليا مفحما.
إن هذه النكتة تصب فيما ما يمكن أن أسميه إشكالية الاستدلال النظري في مقابل الاستدلال العملي، وأيهما جدير بالوصول إلى اليقين والحقيقة.
في العرف الفلسفي غالبا ما يُستحقر الاستدلال العملي، وأعني بالاستدلال العملي هنا ذلك الاستدلال الذي يستند على الأشياء التي نتفق عليها ببساطة وعفوية في ممارساتنا وأقوالنا اليومية، أي في تجربتنا الحياتية، دون ضرب من التأمل الذاتي والتفكير العميق، كما يحدث في الاستدلال النظري. كأن يكون الشيء موجودا أمامي مثلا أو أن الشيء الفلاني له هذه الطبيعة، فمثل هذه الأشياء نتفق جميعا عليها دون أن نضطر إلى إثبات هذا نظريا.

حين حاول زينون الإيلي أن يثبت المفارقة الشهيرة بأن الحركة مستحيلة وأن كل مافي الوجود ثابت، يقال أن أحد من ردوا عليه مشى خطوتين ثم توقف وقال: الآن سقطت حجة زينون. ومثله من ركل صخرة بقدمه وحين تألم قال: الآن أثبت تهافت نظرية بيركلي، وكان جورج بيركلي ينفي وجود الأشياء المادية في الخارج.

العجيب أن مثل هذه الردود مستحقرة في الفلسفة ولا قيمة لها، بينما تحضى حجج زينون وبيركلي بإعجاب وانبهار شديدين على مدى قرون. والسبب أن حجج هؤلاء الفلاسفة وافقت الهوى الفلسفي، أي أتت بعد ضرب من التفكير العميق والتأمل العقلي الخالص،  بينما من ردوا عليهم ردوا مستندين على قاعدة البساطة والعفوية التي تتكشف من ممارساتنا اليومية، لذلك نُبذت هذه الآراء ولم تأخذ مكانتها في تاريخ الفلسفة إلا على اعتبارها مثالا على الردود التافهة.

وفي ظني أن جذر المشكلة بدأ مع سقراط وأفلاطون، فهما أول من طرح فكرة أن الإنسان يولد والمعارف كلها مودعة في نفسه فالمعرفة -كما يقول سقراط في محاورة مينون - مجرد تذكر والجهل نسيان. وأفلاطون يرى أن النفس كانت تعيش في عالم المثل فلما سقطت إلى عالم الحس نسيت الحقائق، فالواجب علينا أن نغوص في ذواتنا منعزلين عن كل الظواهر حتى نتذكر تلك الحقائق المنسية.
من هنا بدأ تفضيل الحقائق التي تأتي من التأمل العقلي الذاتي، على الحقائق التي تأتيك من الخارج، فماتراه وتشعر به وما يجمع الناس عليه ليس حجة توازي حجة ما يأتيك به العقل المستغرق في ذاتيته، ولو كان الاستدلال النظري أدى مثلا إلى القول بأن الاشياء غير موجودة في الخارج أو أن الحركة مستحيلة أو أن حياتنا كاملة ربما تكون مجرد حلم طويل كما يشك ديكارت. وعلى ذكر ديكارت فهو أيضا أحد من أسسوا لهذا النمط من التفلسف، أعني النمط الذي يرى أن الذات المفكرة مستقلةً عن كل شيء، هي القادرة وحدها على الوصول إلى اليقين، أما المصادر الأخرى فهي مصادر يمكن أن يُشك فيها.

لكن هل فعلا يفضل الاستدلال النظري على العملي. هل صحيح أنه لا يمكن أن يأتي اليقين إلا من هذا النمط من الاستدلال.
في مقالة الجما حين كان أرسطو يحاور من يرون جواز اجتماع النقيضين ويطلبون البرهان على القول باستحالة اجتماعهما، قال أرسطو:"وهم يطلبون هذا بسبب نقص في التربية، إذ يستحيل القول إنه ينبغي البرهنة على كل شيء على نحو مطلق، فلا بد في هذه الحالة من النكوص اللامتناهي".
هنا يدرك أرسطو أن التطرف في طلب البرهان العقلي سينتهي إلى طريق مغلق، فكل برهان يؤتى به سيُطلب البرهنة عليه وهكذا إلى ما لانهاية. والعجيب أن أرسطو حين أراد أن يلزم السوفسطائيين في قولهم الشهير بعدم وجود حقيقة ثابتة وبالتالي جواز اجتماع النقيضين (يلزم عن نفي الحقيقة الثابتة جواز اجتماع النقيضين، فإذا لم يكن ثمة حقيقة ثابتة في الشيء فهو قد يكون ولا يكون في نفس الوقت)، لجأ أرسطو إلى البرهان العملي، يقول في موضع آخر من مقال الجما: "لماذا لم يمش المرء إلى بئر أو إلى حافة جرف إن صادفه في طريقه مثل هذا؟ولماذا نراه يحترس من هذا الجرف حتى لا يسقط؟ فهو لا يعتقد أن السقوط أو عدم السقوط يتساويان في الخير؟ فمن الواضح أنه يحكم على أحدهما أنه أفضل والثاني بأنه أسوأ".(1)
هنا صار الاستدلال العملي حجة قوية لا يستطيع السوفسطائيون التنكر لها، بينما بمماحكاتهم النظرية كانوا يشكون في البراهين العقلية.

ديفيد هيوم أحد من كانوا ينظّرون للشك المطلق روى عن نفسه أنه كان أحيانا يغادر غرفة مكتبه ويختلط بالآخرين لكي يتأكد انهم موجودون بالفعل! يعلق فؤاد زكريا على هذه القصة بتعليق بديع حيث يقول: "إن البراهين العقلية لم تكن توصله إلى شيء وهو قابع في غرفته، وكان الحل الذي يعيد ثقته بوجود العالم هو أن يطل على الناس ويختلط بهم، أي أن يمارس تجربة إدراك العالم الخارجي بالفعل، ولا جدال في أن هذه التجربة كانت أقوى إقناعا له من جميع الحجج العقلية". (2)

أخيرا أدركت بعض الفلسفات المعاصرة هذا الخلل، أي خلل تأسيس اليقين على مجرد الوعي الذاتي، وحاولت استدخال مصادر معرفية أخرى تتجاوز فكرة الذات المستقلة عن كل شيء، منها إدخال البعد التاريخي والتجربة الانسانية والعالم المعيش كمصادر معرفية يمكن أن تتضمن يقينا من نوع ما. وربما أيضا كان الاهتمام المعاصر بفلسفة اللغة محاولة لتجاوز هذا الخلل، إذ أن اللغة يُمكن أن تكون قاعدة بديلة تتأسس عليها الحقيقة عوضا عن قاعدة الذات، فاللغة لا تكون دون مواضعة مجموعة من الذوات، أي أن اللغة في جوهرها تتعارض مع نزعة التمركز على الذات.

من أوائل الفلاسفة المعاصرين الذين أدركوا هذا المأزق وحاولوا تجاوزه هو هيدغر، حيث رفض في كتابه الأشهر الكينونة والزمان فكرةَ الذات الإنسانية المستقلة عن العالم الخارجي، أي الذات في مقابل الموضوع، وقال بأن الذات الإنسانية هي موجودة هناك في العالم ( الدازاين)، منخرطة فيه، وهي تفكر في الأشياء على نحو عملي غير ذاتي. 
أيضا فتجنشتين المتأخر من وجهة نظر مختلفة له محاولة في تأسيس اللغة على تعددية الاستخدام البشري، حيث أعطى اللغة العادية-متأثرا بمور- قيمةَ المعيار الحاكم، بينما كان في البداية يعالج اللغة من وجهة نظر منطقية وواحدية: "وحيث سعت الرسالة (فتجنشتين الأول) بمساعدة المنطق إلى بيان أن اللغة تملك تحت مظاهرها السطحية المنوعة بنية تحتية واحدة، كان فتجنشتين في الكتاب الأزرق وبحوث فلسفية(فتجنشتين المتأخر)، عاقدا العزم على القول بالتعدد، وهذا التحول في وجهة النظر له نتائج مهمة مادام فتجنشتين يعتبر أيضا أن اللغة متممة لصورة حياتنا الكاملة". (3)
هابرماس كذلك ممن تنبهوا لهذه الإشكالية، حيث أراد في نظريته في الفعل التواصلي أن يؤسس عقلانيته لا على الذات بل على مجموعة من الذوات (البينذاتية)، فيصبح الحوار والتواصل بديلا عن التأمل الذاتي المنعزل :"إن الممارسة التواصلية اليومية هي إن جاز القول تفكرية بحد ذاتها، على أن المقصود أن التفكر لم يعد بعد الآن قضية الذات المعرفية التي في تحولها إلى موضوع ترجع إلى ذاتها، إذ يحل مكان هذا التفكر الذي يتم في عزلة سابقة للسان، تنسيقٌ في الفاعلية التواصلية لطبقتين: القول والعمل". (4)

مع هذه الفلسفات أعيد الاعتبار للحياة اليومية والعالم المعيش، فالكلمات المتداولة والأفكار والممارسات العادية مع الناس والأشياء لم تعد منبوذة كما في السابق، حيث الذات منكمشة على نفسها تتأمل العالم باستقلال عن كل مصدر خارج عنها. إذا كان كذلك فليس في مقدور هذه الذات حين تندمج في العالم المعيش وتتواصل مع الناس، أن تعتقد مثلا أن الحركة مستحيلة، او أن الوجود الخارجي مجرد وهم، او أننا ربما نعيش في حلم طويل. ففي هذه الحالة ستكون هذه المعتقدات مدعاةً للضحك، تماما كنكتة الدجاجتين. هذا بالطبع غير الإشكاليات الأخرى التي آلت اليها نزعة التمركز على الذات، فانفصال الذات عن العالم المحيط عزز من نزعة السيطرة على الاشياء بأي ثمن، إذ لا اعتبار لغير إرادة الذات، وهذا آل إلى ظهور مايسميه فلاسفة فرانكفورت: العقلانية الأداتية، هذه العقلانية المجردة من القيم والأخلاق والتي اعتبرت في النهاية الطبيعةَ بل وحتى الإنسان ذاته مادةً استعمالية يتم توظيفها لتحقيق مصالح ومنافع مادية.

لكن في الأخير هل يعني هذا اطّراح هذا النمط من الاستدلال والتأمل الذاتي؟ ألا نتحصل من هذا التأمل وهذا الاستدلال على حقائق يقينية نافعة؟ بل ألم ينشأ هذا النقد أصلا إلا بعد ضرب من التفكير والتأمل العقلي؟. الحقيقة أن هذه الاعتراضات مشروعة لو كان مقصد النقد هو الاعتراض على مجمل النظر العقلي، بينما الاعتراض على نمط معين من هذا النظر. وهو النمط الذي يفترض أن التأمل العقلي الذاتي وحده هو سبيل اليقين، وأن كل نمط يتلقى الحقائق على غير هذه الشاكلة هو نمط لا يصل إلى درجة اليقين بل ربما هو مستحقر وغير معترف به، الاعتراض إذن على هذا النوع المتطرف من النظر.

المراجع —————————
(1) أرسطو، مقالة الجما. ترجمة: إمام عبدالفتاح إمام 
(2) فؤاد زكريا، نظرية المعرفة والموقف الطبيعي للانسان ص111
(3)هانس سلوجا، فتجنشتين. ترجمة صلاح اسماعيل ص127
(4) هابرماس، القول الفلسفي للحداثة. ترجمة فاطمة الجيوشي ص495